م م .غازي الحميداوي 1447ه – 2025م.
الملخص
من الأمور المهمة التي ينبغي البحث فيها هي مسألة الوعود الإلهية التي وعد فيها أنبيائه وأوليائه، والمؤمنين والتي منها النصر الإلهي حيث قال تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، [محمد: 7]، وحيث الارهاصات التي تعيشها الأمة الإسلامية في وقتنا الحاضر تلك الأمة التي تخضع للسنن الإلهية في هذا الكون وقد تُصاب بالإحباط أحيانا وبالتقاعس أخرى، وفي خضم ذلك تنهض بالمسؤولية ثلة مؤمنة تحت قيادة إسلامية واعية (محور المقاومة الإسلامية، الولي الفقيه) تنظر إلى القضايا المعاصرة بنظرة إسلامية فاحصة حيث يتمتع القائد بالفقاهة والعلم بأمور الزمان.
وعليه؛ فتهدف هذه الدراسة إلى التعريف بالنصر العزيز في القرآن الكريم، وتوضيح ما هو صلح الحديبية، وأسبابه، ونتائجه، ومن ثمَّ التعريف بسورة الفتح، ومقاصدها العامة، إلى جانب تسليط الضوء على جوانب النصر العزيز في سورة الفتح رؤية تفسيرية، وبيان أقوال أهل العلم فيها.
وفي سبيل تحقيق ذلك فقد جعلت البحث في مقدمة ومبحثين وخاتمة، تناولت في المبحث الأول التعريف بالكلمات المفتاحية التي تخدم الموضوع، وفي المبحث الثاني خصصته لتسليط الضوء على جوانب النصر العزيز في سورة الفتح رؤية تفسيرية، وبيان أقوال أهل العلم فيها، ثمَّ أنهيت بحثي بخاتمة تتضمن أهم النتائج والتوصيات العامة.
وقد اعتمدت في بحثي على توظيف المنهج الاستقرائي، والذي يعتمد على جمع المادة العلمية من خلال الوقوف على كتب التفاسير القرآنية، وكذلك كتب السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، فضلًا عن الاستعانة بالمنهج التحليلي، والذي يخدم طبيعة البحث والدراسة.
وقد توصلت الدراسة إلى العديد من النتائج، من أهمها أنَّ النصر العزيز من الله -سبحانه وتعالى- فيتم لعباده من خلال أخذهم بالأسباب التي تؤدي إلى ذلك، فالأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى النصر أمر أرشدنا إليه القرآن الكريم، وإنَّ الله -سبحانه وتعالى- وضع قانونًا طبيعيًا لهذه الحياة. وأنَّ وعد الله -سبحانه وتعالى- لعباده المؤمنين بالنصر في أكثر من آية في كتابه الكريم، حتى غدا تحقيق النصر لهم حقيقة ثابتة، ووعدًا قاطعًا من الله -سبحانه وتعالى-.
الكلمات المفتاحية: (النصر العزيز، صلح الحديبية، سورة الفتح).
المقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإنَّ الله قد ختم الرسالات برسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- وجعل دينه ناسخاً للأديان لا يقبل الله من أحد غيره قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، [آل عمران: 85].
وقد بعث الله محمداً -صلى الله عليه وسلم- مبلغاً ومبيناً لهذا الدين قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}، [النحل: 44].
فقام صلوات الله وسلامه عليه بتلك المهمة خير قيام، حيث أوضح كل صغيرة وكبيرة في هذا الدين بقوله وفعله وتقريره – على مرأى من الناس ومسمع – ابتداء من طور السرية بمكة إلى قيام دولة الإسلام بالمدينة، وكان يسير أثناء ذلك في كل خطوة يخطوها على المستوى البشري، فقد اتخذ كافة الأسباب والوسائل التي هي من مقتضيات الطريق وما ذلك إلا ليتسنى لأمته التأسي به، وترسم خطاه لأنها قد كلفت بمهمته من بعده لا خيار لها، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، [يوسف: 108].
وكما أنه لا خيار لأتباع محمد صلى الله عليه وسلم في القيام بهمته من الدعوة إلى هذا الدين وحراسته، فإنه لا ضمان لنجاحهم في تلك المهمة إلا بسلوك الطريق الذي سلكه صلى الله عليه وسلم، والدليل لطريقه صلى الله عليه وسلم هو سيرته فلا بد من الوقوف عليها وترسم خطاه فيها. وأهم جوانب سيرته صلى الله عليه وسلم هي مغازيه؛ لأنها استغرقت قسطاً كبيراً من حياته في مجال الدعوة وهي التطبيق العملي لأحكام الجهاد – الذي يشكل السياج المنيع لحماية هذا الدين كما أنه من أهم وسائل الدعوة إليه، ولذلك أخبر صلى الله عليه وسلم أنه ذروة سنام الإسلام، كما حفلت المغازي بكثير من أساليب الدعوة والأحكام، حيثُ امتنَّ الله -سبحانه وتعالى- على نبيه وعباده المسلمين بالنصر العزيز، وقد اشتملت سورة الفتح على ذلك بشيء من التفصيل، ومن ذلك جاءت رغبتي في بيان جوانب نصر الله العزيز لعباده في صلح الحديبية من خلال سورة الفتح.
أهداف البحث:
يهدف هذا الموضوع إلى تحقيق بعض الأهداف المرجوّة، منها ما يلي:
- التعريف بالنصر العزيز في القرآن الكريم.
- توضيح ما هو صلح الحديبية، وأسبابه، ونتائجه.
- التعريف بسورة الفتح، ومقاصدها العامة.
- تسليط الضوء على جوانب النصر العزيز في سورة الفتح رؤية تفسيرية، وبيان أقوال أهل العلم فيها.
أهمية البحث:
تتمثل أهمية البحث في بيان فضل الله -سبحانه وتعالى- ومنته على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- وعباده المؤمنين بالنصر العزيز في صلح الحديبية، وذلك من خلال تسليط الضوء على سورة الفتح وآياتها الكريمة.
أسئلة البحث:
- ما المراد بالنصر العزيز في القرآن الكريم؟.
- ما هو صلح الحديبية، أسبابه، ونتائجه؟.
- ما مقاصد سورة الفتح العامة؟.
- ما هي جوانب النصر العزيز في سورة الفتح رؤية تفسيرية، وبيان أقوال أهل العلم فيها؟.
منهج البحث:
وأمَّا عن المنهج العلمي المتبع في هذا الموضوع فقد اعتمدت الدراسة على توظيف المنهج الاستقرائي، والذي يعتمد على جمع المادة العلمية من خلال الوقوف على كتب التفاسير القرآنية، وكذلك كتب السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، فضلًا عن الاستعانة بالمنهج التحليلي، والذي يخدم طبيعة البحث والدراسة.
الدراسات السابقة:
من أبرز الدراسات السابقة ما يلي:
- وجوب اتباع الرسول ﷺ من خلال سورة الفتح، دراسة موضوعية، إسماعيل هدى مصباح محمد، رسالة ماجستير، إشراف الدكتور عماد عبد الكريم سليم خصاونة، كلية الشريعة، جامعة آل البيت، الأردن، 2019م.
- فيض من الله وفتح في تفسير سورة الفتح دراسة تحليلية، د/ مصطفى أحمد محمد أحمد، أستاذ التفسير وعلوم القرآن المساعد، بكلية أصول الدين بطنطا، مجلة كلية التربية، جامعة الأزهر، العدد 150، الجزء الثاني، أكتوبر لسنة 2012م.
- النصر في القرآن الكريم: تفسير موضوعي في ضوء الكتاب والسنة، قاسم حسين عبد الرحيم، رسالة ماجستير، إشراف الدكتور محمد آدم محمد مشرف صديق، كلية أصول الدين، جامعة أم درمان الإسلامية، السودان، 1999م.
- سورة النصر دراسة لغوية بيانية، محمد فاضل صال السامرائي، مجلة الدراسات اللغوية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، المجلد 16، العدد الرابع، أكتوبر 2014م.
خطة البحث:
تشتمل على مبحثين وخاتمة.
المبحث الأول: التعريف بمصطلحات الدراسة، ويشتمل هذا المبحث إلى ما يلي:
المطلب الأول: التعريف بالنصر العزيز في القرآن الكريم.
المطلب الثَّاني: صلح الحديبية، أسبابه، ونتائجه.
المطلب الثالث: التعريف بسورة الفتح، ومقاصدها العامة.
المبحث الثّاني: جوانب النصر العزيز في سورة الفتح رؤية تفسيرية، وبيان أقوال أهل العلم فيها.
الخاتمة: وتشتمل على أبرز نتائج البحث والتوصيات العامة.
الفهارس، وتشتمل على ما يلي:
- فهرس المصادر والمراجع.
- فهرس الموضوعات.
المطلب الأول
التعريف بالنصر العزيز في القرآن الكريم.
مفهوم النصر لغة واصطلاحًا:
النصر لغة:
بالرجوع إلى كتب اللغة والمعاجم تبين لي أنَّ النصر مأخوذ من مادة “نصر”، والنون والصاد والراء أصل صحيح يدل على إتيان خير وإيتائه([1]).
ومنه نصر الله المظلوم ينصره نصرًا ونصورًا، ونصر الله المسلمين ينصرهم نصرًا، أي: آتاهم الظفر على عدوهم، ونصرهم: أعانهم، ونصرهم: نجاهم وخلصهم، ونصرهم: أيدهم([2]).
والنَّصْر: مَعْرُوف، وَهُوَ المعاونة والتأييد، بضدّ الخِذْلان، نَصره الله ينصره نَصْراً ونُصْرَة، فَهُوَ نَاصِر وَالْمَفْعُول مَنْصُور. والنَّصير: فَعيل من نَاصِر، مثل شَهِيد من شَاهد([3]).
والمتأمل في القرآن الكريم يلاحظ أنَّ معاني النصر في القرآن واحدة، وكذلك في اللغة، وتنحصر في ستة معان وهي الإعانة والظفر والنجاة والانتقام من الظالم والتأييد والطاعة والامتثال، كذلك وقد وردت لفظة النصر في القرآن الكريم بجميع تصاريفها نحو “143” مرة في القرآن الكريم، فالنصر إذن هو العون من الله، وإيتاء الخير وإتيانه، والوصول إلى ما يشرح الصدور ويطمئن النفس، ويحقق الهدوء للإنسان والاستقرار، ويكون ذلك بدفع الشر والظلم، والوصول إلى الخير والبر، ويكون أولًا بأن ينتصر الإنسان على نفسه، ويتغلب على شهوته ونزواته، ثمَّ ينتصر على الأعداء، وذلك بالظهور والتغلب عليهم سواء في ساحات المعارك أو غيرها.
النصر اصطلاحًا:
غالبًا المعنى في الاصطلاح لا يخرج عن المعنى في اللغة، ومن ذلك فالنصر هو الوسيلة المهمة التي ينبغي على الإنسان أن يضعها نصب عينيه لبلوغ أعظم الغايات، وهي عبودية الله في الأرض، وتوحيده وإخلاص العبادة له، وذلك بإقامة شرعه على الأرض، فالنصر في القرآن الكريم هو أن يدافع المؤمن بكل ما يملك من وسائل وأسباب، حتى يُحقق غاية وجوده في هذه الأرض وهي في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، [الذاريات: 56-58]([4]).
ومن ثمَّ فالنصر اصطلاحًا: لا مباينة بين معناه الاصطلاحي والمعنى اللغوي؛ إذ يتضمن عدة معان منها: العون، والعطاء، والتأييد، بالقول أو الفعل، فقد قيل إنَّ النصر: هو التأييد الذِي يكون به قهر الأعداء وغلبهم والِاستعلاء عليهم([5]).
فالنصر العزيز من الله -سبحانه وتعالى- فيتم لعباده من خلال أخذهم بالأسباب التي تؤدي إلى ذلك، فالأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى النصر أمر أرشدنا إليه القرآن الكريم، وإنَّ الله -سبحانه وتعالى- وضع قانونًا طبيعيًا لهذه الحياة فبالتالي إنَّ الله لا يهب النصر لمن لا يسعى من خلال إعداد شامل للنصر، وقد أمر الله تعالى بالإعداد بالمعنى العام، فقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾، [الانفال: 60]، والإعداد في حقيقته أخذ بالأسباب، فالآية الكريمة وغيرها من الآيات الكرمة تضع أذهان المسلمين للإعداد العام سواء مادي أم معنوي([6]).
لذلك وعد الله -سبحانه وتعالى- لعباده المؤمنين بالنصر في أكثر من آية في كتابه الكريم، حتى غدا تحقيق النصر لهم حقيقة ثابتة، ووعدًا قاطعًا من الله -سبحانه وتعالى- لا يتخلف ولا يتبدل، فقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، [غافر: 51]، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، [الروم: 47].
فهذه الآية الكريمة تؤكد أنَّ النصر حق أوجبه الله -سبحانه وتعالى- على نفسه تكرمًا وتفضلًا([7]).
فجعل الله -سبحانه وتعالى- نصر المؤمنين سنة ثابتة لا تتبدل ولا تتغير فقال -سبحانه وتعالى- ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، [الفتح: 22-23].
فهذه الآية الكريمة تبين طريقة الله وعادته التي قد مضت في الأمم من نصر أوليائه على أعدائه، فما تقابل الكر والإيمان في موكن فيصل إلا نصر الله الإيمان على الكفر، فرف الحق ووضع الباطل([8]).
المطلب الثَّاني
صلح الحديبية، أسبابه، ونتائجه.
صلح الحديبية سمى بهذا الاسم نسبة إلى موقع وقوعه على مشارف مكة بين المسلمين ومشركي قريش، وقد كان في ذي القعدة عام 6 هجرية، وكان ذلك بموقع الحديبية بالقرب من مكة، وقد كان النبي ﷺ هو قائد هذه الغزوة، وكان معه “1400” من الصحابة -رضوان الله عليهم- ضد سادة قريش، ومن أبرزهم معاوية بن أبي سفيان([9]).
وكان من أسباب هذا الصلح رؤيا النبي ﷺ بفتح مكة، ورغبته في تحديد قريش كمصدر خطر رئيس على دولة الإسلام، ورغبته بهدنة لدعوة القبائل والملوك لدين الله -سبحانه وتعالى- وتهيئة لجنوده للفتوحات الكبرى التي ستعقب الصلح وأبرزها فتح مكة، وغزوة مؤتة([10]).
أمَّا أحداث صلح الحديبية، ففي العام السادس من الهجرة كانت مهابة المسلمين كبيرة بفضل جهادهم الذي ألقى الرعب بنفوس المشركين، وقد اشتاق المسلمون لزيارة البيت الحرام (قِبلتهم) بعد ٦ سنوات من هجرتهم عن مكة اضطرارًا، وكان مما أذكى شوقهم رؤيا رسول الله ﷺ بدخول المسجد محلقين رؤوسهم ومقصرين، إلا أن النبي ﷺ قصد ألا يدخلوها حربًا، وسعى لأن يكون دخول العرب والأعراب من حولهم معتمرين([11]).
ثمَّ بعد ذلك استخلف رسول الله ﷺ نميلة بن عبد الله الليثي على المدينة، وأحرم بالعمرة والكثيرون من أصحابه، وساق النبي ﷺ معه الهدي سبعين بعيرًا حتى يكون إيذانًا بسلميته وأنه أراد الخروج زائرًا للبيت ومعظما له فوجيء النبي ﷺ وهو على مسافة يومين من مكة أن قريشًا خرجت مرتدية جلود النمور يعاهد مقاتلوها الله ألا يدخل المسلمون مكة!، وكان ذلك بموقع يسمى عسفان، وقد تمنى النبي ﷺ أن يتركوه للدعوة سلمًا، قائلا: “يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب، وينتهي الحديث بقسم النبي “والله لا أزال أجاهد على هذا الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة، أي تنتهي قريش”([12]).
تفادى رسول الله ﷺ الاصطدام بخيل المشركين فقال: “من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟”([13]).
وبالفعل سلك رجل بهم طريقا وعرًا صعبًا خرجوا منه بعد مشقة وجهد، فأفضوا إلى أرض سهلة منبسطة. هنا أمر رسول الله صحبه بأن يقولوا: “قولوا، نستغفر الله ونتوب إليه، وكان ذلك مخالفة لبني إسرائيل الذين رفضوا الاستغفار”([14]).
واصل المسلمون طريقهم حتى قرب الحديبية فبركت ناقة رسول الله ﷺ وهنا قال النبي بحديثه “حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطّة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها”([15]).
أمَّا نتائج صلح الحديبية، فهناك العديد من النتائج، من أهمها ما يلي([16]):
- استمر صلح الحديبية لمدة تقل عن عامين حيث نقضت قريش وحليفتها بنو بكر العهد؛ ورغم ذلك أظهر الله خلالهما الإسلام وانتشر بين العرب ومن حولهم كما لم يحدث من قبل، وكان الصحابة يتلون آيات القرآن للمشركين فما أحد يعقل منهم إلا ودخل الإسلام.
- كان الصلح التمهيد الحقيقي للانتشار خارج الجزيرة العربية والاستعداد لغزوة مؤتة، والأهم أنه كان المقدمة المباشرة لفتح مكة.
- جرت مكاتبة الملوك في تلك الفترة بالإسلام، وجرى الاعتراف لأول مرة بالدولة الإسلامية ونفوذها في المعاهدات السياسية.
- جرى تأديب اليهود لمنع مكائدهم ضد الإسلام.
- أسر المسلمون أعدادًا من شباب قريش وأمر النبي بإطلاق سراحهم.
- اضطرت قريش لإعادة المستضعفين بعد إقدامهم في جرأة على قطع طريق تجارتها.
- نزل التشريع الإلهي في سورة الممتحنة بحماية المؤمنات المهاجرات ومنع زواج الصحابة بالمشركات.
- كنتيجة للصلح أيضا نزلت سورة الفتح، التي بشرت بالفتح المبين لمكة.
المطلب الثالث
التعريف بسورة الفتح، ومقاصدها العامة.
تقع سورة الفتح بعد سورة محمد، وقبل سورة الحجرات، ورقمها ثمان وأربعون، وتقع في الجزء السادس والعشرين، وعُرفت بهذا الاسم – سورة الفتح- ولم يُعرف لها اسمًا غير ذلك عند أهل العلم([17]).
وهي تسع وعشرون آية، وخمسمائة وستّون كلمة، وألفان وأربعمائة وثمانية وثلاثون حرفًا([18]).
وسُميت سورة الفتح بهذا الاسم لافتتاحها بشرى الفتح المبين، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، [الفتح: 1]([19])
كذلك وقد ورد “عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيَّ، يَقُولُ: «قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فِي مَسِيرٍ لَهُ سُورَةَ الْفَتْحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ» قَالَ مُعَاوِيَةُ: «لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَيَّ النَّاسُ لَحَكَيْتُ لَكُمْ قِرَاءَتَهُ»([20]).
أمَّا مكان نزول السورة الكريمة، فقد ذكر أهل العلم أنَّها مدنية، وهذا ما ذهب إليه أهل العلم، وقد بيَّن ابن عاشور ذلك بقوله:” وهي مدنية على المصطلح المشهور في أن المدني ما نزل بعد الهجرة ولو كان نزوله في مكان غير المدينة من أرضها أو من غيرها. وهذه السورة نزلت بموضع يقال له كراع الغميم بضم الكاف من كراع وبفتح الغين المعجمة وكسر الميم من الغميم موضع بين مكة والمدينة وهو واد على مرحلتين من مكة وعلى ثلاثة أميال من عسفان وهو من أرض مكة. وقيل نزلت بضجنان بوزن سكران وهو جبل قرب مكة ونزلت ليلا فهي من القرآن الليلي. ونزولها سنة ست بعد الهجرة منصرف النبي ﷺ من الحديبية وقبل غزوة خيبر”([21]).
أمَّا فضل السورة الكريمة، فقد ورد في فضلها عن النبي ﷺ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلًا، فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: ثَكِلَتْ أُمُّ عُمَرَ، نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، كُلَّ ذَلِكَ لاَ يُجِيبُكَ، قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أَمَامَ النَّاسِ، وَخَشِيتُ أَنْ يُنْزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي، فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: ” لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَرَأَ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1]”([22]).
فقد اشتملت السورة الكريمة على العديد من الفضائل والقيم والمبادئ والأخلاق العظيمة خاصة في تربية وتوجيه الفرد والمجتمع، كما “انفردت هذه السورة بآداب جليلة، أدّب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به نبيّه ﷺ، من التوقير والتبجيل”([23]).
كذلك وقد تضمنت حقائق كبيرة من حقائق العقيدة والشريعة، ومن حقائق الوجود والإنسانية حقائق تفتح للقلب وللعقل آفاقًا عالية وآمادًا بعيدة وتُثير في النفس والذهن خواطر عميقة ومعاني كبيرة وتشمل من مناهج التكوين والتنظيم، وقواعد التربية والتهذيب، ومبادئ التشريع والتوجيه، ما يتجاوز حجمها وعدد آياتها مئات المرات، وهي تبرز أمام النظر أمرين عظيمين للتدبر والتفكير وأول ما يبرز للنظر عند مطالعة السور الكريمة أنها تكاد تستقل بوضع معالم كاملة، لعالم رفيع كريم نظيف سليم متضمنة القواعد والأصول والمبادئ والمناهج التي يقوم عليها هذا العالم والتي تكفل قيامه أولًا، وصيانته أخيرًا، عالم يصدر عن الله ويتجه إلى الله، ويليق أن ينتسب إلى الله، عالم نقي القلب، نظيف المشاعر، عف اللسان، وقبل ذلك عف السريرة، عالم له أدب مع الله وأدب مع رسوله، وأدب مع نفسه، وأدب مع غيره، أدب في هواجس ضميره وفي حركاته جوارحه([24]).
مقاصد السورة الكريمة ومحاورها:
اشتملت السورة الكريمة على العديد من المقاصد والمحاور العامة المهمة التي تهم الفرد والمجتمع، فقد اشتملت السورة الكريمة على ما يلي([25]):
- بيان أحداث ومشاهد سفرة الحديبية وصلحها وما يسّره الله للمسلمين من فتح خيبر وغنائمها على ما أجمع عليه المفسرون وكتاب السيرة القدماء.
- اشتملت السورة الكريمة على تثبيت وتطمين ربانيان بمناسبة تلك الأحداث والمشاهد. وإشارة إلى مواقف بعض الأعراب المسلمين منها.
- اشتملت السورة الكريمة على الإشارة إلى وجود مؤمنين يكتمون إيمانهم في مكة. وإيذان جديد بوعد الله بإظهار الإسلام على الدين كله. وتنويه بأصحاب النبي ﷺ وما كانوا عليه من ورع وتقوى.
- كذلك تدور السورة الكريمة على التربية الأخلاقية للأمة الإسلامية، وذلك من هلال آياتها ومقاطعها، والتي تضمنت مبادئ وأخلاق تربي وتوجه الفرد المسلم إلى الأخلاق الحميدة الفاضلة.
- اشتملت السورة الكريمة على ضوابط أدب التعامل مع الله -سبحانه وتعالى- والتعامل مع النبي ﷺ.
- كذلك اشتملت السورة الكريمة على ضوابط التحقق من صحة الأخبار المنقولة، والعمل على الإصلاح بين الناس، وتحدثت عن رابط الاخوة بين أبناء المجتمع الواحد.
المبحث الثّاني
جوانب النصر العزيز في سورة الفتح رؤية تفسيرية، وبيان أقوال أهل العلم فيها.
اشتملت سورة الفتح على ذكر جوانب النصر العزيز الذي منَّ الله -سبحانه وتعالى- به على عباده في غزوة الحديبية، فالمتأمل في هذه السورة الكريمة يلاحظ المحور الرئيس لهذه السورة الكريمة، وذلك على “أحداث ومشاهد سفرة الحديبية وصلحها وما يسَّره الله للمسلمين من فتح خيبر وغنائمها على ما أجمع عليه المفسرون وكتاب السيرة القدماء. وفيها تثبيت وتطمين ربانيان بمناسبة تلك الأحداث والمشاهد. وإشارة إلى مواقف بعض الأعراب المسلمين منها. وإشارة إلى وجود مؤمنين يكتمون إيمانهم في مكة. وإيذان جديد بوعد الله بإظهار الإسلام على الدين كله. وتنويه بأصحاب النبي ﷺ وما كانوا عليه من ورع وتقوى”([26]).
حيثُ كشفت السورة الكريمة عن حقيقة عظيمة في بيان مكانة النبي ﷺ وهي استحقاقه للاصطفاء برتبة عالية ووظيفة سامية، فهو المختار لمنزلة الشاهد على الخلق جميعًا بما أقام الله به الحجة على البشرية، وبما فرَّق على يديه بين الحق والباطل، وبما جعله الله علم هداية وبشرى وإنذار، “يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} [البقرة: 119] يَا مُحَمَّدُ {شَاهِدًا} [الأحزاب: 45] عَلَى أُمَّتِكَ بِمَا أَجَابُوكَ فِيمَا دَعْوَتَهُمْ إِلَيْهِ، مِمَّا أَرْسَلْتُكَ بِهِ إِلَيْهِمْ مِنَ الرِّسَالَةِ، {وَمُبَشِّرًا} [الأحزاب: 45] لَهُمْ بِالْجَنَّةِ إِنْ أَجَابُوكَ إِلَى مَا دَعَوْتَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الْقَيِّمِ، وَنَذِيرًا لَهُمْ عَذَابَ اللَّهِ إِنْ هُمْ تَوَلَّوْا عَمَّا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ”([27]).
كما رغَّبت العديد من الآيات القرآنية في أكثر من موضع المؤمنين برسالة نبينا الكريم محمد ﷺ بالخير الكبير والدائم يوم القيامة، ومنها سورة الفتح، حيثُ نصت الآية الكريمة على كونه مبشرًا وأصل التبشير في العربية من :” وأَبْشَرْتُ الرجل وبَشَّرْتُهُ وبَشَرْتُهُ: أخبرته بسارّ بسط بشرة وجهه، وذلك أنّ النفس إذا سرّت انتشر الدم فيها انتشار الماء في الشجر، وبين هذه الألفاظ فروق، فإنّ بشرته عامّ، وأبشرته نحو: أحمدته، وبشّرته على التكثير، وأبشر يكون لازما ومتعديا، يقال: بَشَرْتُهُ فَأَبْشَرَ، أي: اسْتَبْشَرَ، وأَبْشَرْتُهُ، وقال الله عزّ وجلّ: لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ قالَ: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قالُوا: بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ﴾، [الحجر: 53- 54]. واستبشر: إذا وجد ما يبشّره من الفرح، قال تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾، [آل عمران: 170]، ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾، [آل عمران: 171]، وقال تعالى: ﴿وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، [الحجر: 67]. ويقال للخبر السارّ: البِشارة والبُشْرَى، قال تعالى: ﴿لهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، [يونس: 64]([28])“.
ومن ثمَّ تضعنا سورة الفتح في أجواء النصر الموعود الذي ذكرته الآية الكريمة بصيغة اخطاب المباشر مع نبينا -عليه الصلاة والسلام- فقال الحق تبارك وتعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾، [الفتح: 3]، وهذا يظهر مكانة نبينا الكريم عند الله -سبحانه وتعالى- من حيث نسبة النصر إليه نصرًا مقترنًا بالعزة، وأصل العزة من “عزز”، وهي في مقاييس اللغة:” الْعَيْنُ وَالزَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ وَاحِدٌ، يَدُلُّ عَلَى شِدَّةٍ وَقُوَّةٍ وَمَا ضَاهَاهُمَا، مِنْ غَلَبَةٍ وَقَهْرٍ. قَالَ الْخَلِيلُ: ” الْعِزَّةُ لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَهُوَ مِنَ الْعَزِيزِ. وَيُقَالُ: عَزَّ الشَّيْءُ حَتَّى يَكَادَ لَا يُوجَدُ”([29]).
ولما ذكر الله الفتح في أول السورة وأنَّ الصلح كان سبيلًا إلى دخول مكة؛ فالتحسين بعدها ذكر بعض جوانب نصر الله فيها عبده نصرًا عزيزًا، وأيَّده من عنده في بعض المواقف والجولات قبيل الفتح. فقد يستغرق الفتح وقتًا طويلًا، ويضعف فيه العبد أمام المحن، فيستشعر قلبه معيّة الله ورجاءه وثقته به، وأنَّ الحق قد ثبته فيستمر، ويزداد ثقة بربه الوكيل، فقد ورد “عَنْ عَمِّهِ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ أَحَدَ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ، قَالَ: شَهِدْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا عَنْهَا إِذَا النَّاسُ يَهُزُّونَ الْأَبَاعِرَ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: مَا لِلنَّاسِ قَالُوا: أُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجْنَا مَعَ النَّاسِ نُوجِفُ، فَوَجَدْنَا النَّبِيَّ ﷺ وَاقِفًا عَلَى رَاحِلَتِهِ عِنْدَ كُرَاعِ الْغَمِيمِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ قَرَأَ عَلَيْهِمْ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1] فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّهُ لَفَتْحٌ»([30]).
والنصر العزيز هو النصر لا يغلبه غالب ولا يدفعه دافع، وهو الغالب المنيع الذي لا يتبعه ذل، وما كان هذا النصر إلَّا لسبب خضوعك، كما جاء في الحديث الشريف: ” إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَرْفَعَكَ اللهُ فَيَنْكَأَ بِكَ أَقْوَامًا، وَيَنْفَعَ بِكَ آخَرِينَ”([31]).
وبالرجوع إلى آيات سورة الفتح الكريمة وبيان أقوال أهل العلم فيها، تبين لي جوانب النصر التي وردت في السورة الكريمة، وذلك على النحو التالي([32]):
الجانب الأول: الوعد الإلهي بالنصر والفتح، حيثُ تعد سورة الفتح من أوائل السور القرآنية الكريمة التي بشّرت بفتح مكة، وهو نصر كبير للمسلمين، ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، [الفتح: 1]، فهذا الوعد يرسخ في قلوب المؤمنين اليقين بأن الله معهم ووعده حق.
الجانب الثاني: بيان والتأكيد على أهمية الإيمان والثقة بالله -سبحانه وتعالى-، حيثُ تؤكد السورة الكريمة على أنَّ النصر من عند الله -سبحانه وتعالى-، وأنَّه لا يتحقق إلا بفضله وتأييده، فقال تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾، [الفتح:3]، هذا يدعو المسلمين إلى الثقة بالله والتوكل عليه في كل أمورهم.
الجانب الثالث: الوحدة والتماسك بين المسلمين، وهذا الجانب من أهم جوانب النصر في سورة الفتح، فالسورة الكريمة تُبرز أهمية الوحدة والتماسك بين المسلمين، وأن هذا التماسك هو من أسباب النصر.
الجانب الرابع: الاستعداد للتضحية في سبيل الله، حيثُ يتطلب تحقيق النصر بذل الجهد والتضحية في سبيل الله، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، [الفتح: 18].
الجانب الخامس: الرحمة بالمؤمنين وعقوبة المجرمين، حيثُ تُظهر السورة رحمة الله بالمؤمنين وعقوبته للمجرمين، فقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، [الفتح: 6].
الجانب السادس: رحمة النبي بالمسلمين وبأصحابه، خُتمت السورة الكريمة ببيان صفة من أهم صفات النبي ﷺ وهي صفة اللين والرحمة مع أصحابه وبين المسلمين بعضهم البعض، فقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، [الفتح: 29].
ثم أخبرت بوعد اللَّه المنجز لا محالة للمؤمنين ووعيده للكافرين والمنافقين، وأبانت مهام النبي ﷺ من الشهادة على أمته وعلى الخلق يوم القيامة والتبشير والإنذار، من أجل الإيمان بالله تعالى ورسوله ﷺ ونصرته، وأردفت ذلك بأمرين متميزين([33]):
أولهما: الإشادة بأهل بيعة الرضوان تحت الشجرة في الحديبية، وبيان أن بيعتهم في الحقيقة لله، وتسجيل رضوان اللَّه تعالى عليهم، ووعدهم بالنصر في الدنيا، وبالجنة في الآخرة: فقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، [الفتح: 18].
والثاني: ذم المنافقين من عرب أسلم وجهينة ومزينة وغفار الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول اللَّه ﷺ عام الحديبية، وكانوا من أعراب المدينة، وأبانت إعفاء أصحاب الأعذار (الأعمى والأعرج والمريض) من فريضة الجهاد، واكتفت منهم بطاعة أمر اللَّه تعالى ورسوله ﷺ، فذلك مؤذن بدخول الجنة.
وذكّرت بفضل اللَّه تعالى على المؤمنين في إبرام الصلح والكف عن القتال بينهم وبين أهل مكة كفار قريش الذين كفروا وصدوا المؤمنين عن المسجد الحرام،
